النووي

293

المجموع

هربوا من قوله تعالى ( ولا يجدون عنها محيصا ) أي هربا ومفرا ، وقوله تعالى ( مالنا من محيص ) أي مفر قوله ( بل أنتم العكارون ) هم الكرارون العطافون في القتال ، يقال عكر يعكر عكرا إذا عطف والعكرة الكرة . قوله ( وانقلاب إلى الاعراب ) لعله ترك الجمعة والجماعة والجهاد . قال الجصاص في كتاب إحكام الأحكام في الآية ( الآن خفف الله عنكم ) ايجاب فرض القتال على الواحد لرجلين من الكفار فإن زاد عدد الكفار على اثنين فجائز حينئذ للواحد التحيز إلى فئة من المسلمين فيها نصرة ، فأما أن أراد الفرار ليلحق بقوم من المسلمين لا نصرة معهم فهو من أهل الوعيد المذكور في قوله تعالى ( ومن يولهم يومئذ دبره ) وقال عمر بن الخطاب لما بلغه أن أبا عبيد ابن مسعود استقتل يوم الجيش حتى قتل ولم ينهزم : رحم الله أبا عبيد لو انحاز إلى لكنت له فئة ، فلما رجع إليه أصحاب أبي عبيد قال أنا فئة لكم ولم يعنفهم ، وهذا الحكم عندنا ثابت ما لم يبلغ عدد جيش المسلمين اثنى عشر ألفا لا يجوز لهم أن ينهزموا عن مثلهم الا متحرفين لقتال ، وهو أن يصيروا من موضع إلى غيره مكايدين لعدوهم من نحو خروج من مضيق إلى فسحة أو من سعة من المسلمين يقاتلونهم معهم ، فإذا بلغوا اثنى عشر ألفا فإن محمد بن الحسن ذكر أن الجيش إذا بلغوا كذلك فليس لهم أن يفروا من عدوهم وان كثر عددهم ، ولم يذكر خلافا بين أصحابنا فيه . واحتج بحديث ابن عباس قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( خير الأصحاب أربعة وخير السرايا أربع مائة وخبر الجيوش أربعة آلاف ولن يؤتى اثنى عشر ألفا من قلة ولن يغلب . وفى بعضها ما غلب قوم يبلغون اثنى عشر ألفا إذا اجتمعت كلمتهم . وذكر الطحاوي أن مالكا سئل فقيل له أيسعنا التخلف عن قتال من خرج عن أحكام الله وحكم بغيرها ؟ فقال له مالك إن كان معك اثنا عشر ألفا مثلك لم يسعك التخلف والا فأنت في سعة من التخلف ، وكان السائل له عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر ، وهذا المذهب موافق لما ذكر محمد بن الحسن